شعــــــــــره بيضـــــــــــــــــــاء
رائحة القهوه الصباحيه تعطر البيت ، معلنة عن ميعاد استيقاظها فقد امضت مؤخرا العديد من الليال والارق يلازمها ، حتى ان خلودها للنوم لبضع دقائق كان اشبه بنوبات الاغماء المتقطع
منذ ايام ، وعقلها ذلك الساحر لا يتوقف ابدا عن العمل حتى فى ساعات راحتها يظل فى نشاط مستمر وكانه قطار بلا محطات ، تسحق عجلاته قضبانه بلا رحمه ، فلا تسمع منها فى جوف الليل الا صرخاتها وهى ممسكة براسها
- كفايه!
خرجت الى الشرفه...
منظر النيل خلاب ومخيف ،لا امواج تتلاطم ، وانما سكون عميق.... سكون الموت
يلازمها فنجانها ...ارتشفت منه رشفه واحده...حدقت فى الفراغ امامها
تلميذه نجيبه بالثانويه العامه حصلت فى ذلك السباق المحموم على درجات تؤهلها لاحدى كليات القمه كما يحلو للجميع تسميتها
فتاه جاده وملتزمه... نسيت كل شىء عدا هدفها ...لم تحركها كالباقيات محاولات البعض استمالتها...اعيتهم المحاوله...فرغت جميع الكليات من طلابها ، الا منها فهى محور الحديث والمحاولات وعلامه على صدر كل من حاول...
تخرجت ،عملت واجتهدت أشاد بها الجميع ،تقدمت وبرعت اثارت غيره من حولها، سحقهم نجاحها ،وعندما اشادت هى بنفسها، بقدراتها ،اسست عملها الخاص.... شركه كبرى لا لشىء الا لمجرد وجودها بها...تميمه حظ هى بالنسبه لكل من حولها ارادت ان تستفيد من ذلك لنفسها...ونجحت
رغم مظهرها النابض بالحيويه وشباب جسدها الا انها احست بتجاعيد تزحف على روحها اخرجت مرأتها... شعره بيضاء واحده تتوسط مفرقها
دعتها احدى الصديقات لحضور حفل تخرج ابنها البكر، تزوجت منذ سنين طوال لم تحقق اى نجاح عملى بل انها لم تحصل على شهادتها الجامعيه ،تفخر بان نجاحها فى تاسيس بيت واسره وتربيه الاولاد اعظم من اى شىء ، وكأنها الوحيده التى قامت بما تعجز عنه الاخريات .....تسمعها وتهز راسها بشىء من عدم الاقتناع والكثير من التساؤلات عن اختياراتها هى....
فى الحفل قدمته لها.
أكرم، معيد بالجامعه وصديق لإبنى
ساره صاحبتى..
شعرت ساره بارتباك صديقتها.. فهى لا تعرف كيف تقدمها ...مدام ...آنسه...فعمرها يثير حيره !!
مد يده مصافحا ،ارتجف بداخلها شىء ..ظلت طوال الحفل تحاول تفسير ما يحدث لها...
خجلت من هذا الشعور الذى ظل بعيدا عنها لسنوات طويله وتوارى خلف تجاعيد عواطفها فلم تعد تذكره منذ أن كانت فى السابعة عشره حين تعلقت بابن خالتها ...لم تكتمل حكايتهما ظلت الاختان فى خصام طويل الى ان جمعهن موت جدتها
عادت لمنزلها بها شىء من التعجب والاستغراب ،استسلمت للنوم بعمق
استيقظت بنشاط زائد كلمت صديقتها واخذت تلف وتدور الى ان استخلصت منها ارقامه وحينما وضعت السماعه ، انبت نفسها
هناك قوه خفيه تدفعها ... كلمته ودار بينهما حديث خفيف انتهى بوعد بلقاء فى مكتبها.....ايا كانت الحجه التى ساقتها له فهى لا تذكرها....
ما هذا الذى فعلته ؟! ...عيب
وصل فى موعده تماما .....
توالت اللقاءات ....وازداد تعلقها به وقربها منه ...الا انه كان يعاملها بحرص....حرص لم تجد له اى مبرر.
اندفعت بمشاعرها البكر المدفونه فى جسد قارب الخمسين...اما هو فهادىء....مترقب وربما خائف
فار تنورها ... لم تستطع ان تكبح جماح نفسها ....لم تفكر...سبق لسانها عقلها ...عرضت عليه الزواج ... ظنته سيبدى فرحا ويقبل على الفور... أطرق فى هدوء ولم ينطق...!
التهبت مشاعرها .....اصبح كل من حولها يلاحظون ما بها .
زادت النظرات واصبحت همسات لها رنين...
" أصل الست بتحب جديد "
لم تسمعهم ولم تسمع لنفسها....الا انه كان هناك ، بعيدا ، داخل تجويف راسها شيئا لم تصبه اسهم السنين ويقف لها بالمرصاد منغصا عليها فرحتها ....تخدره بفكره تافهه او تؤلمه بما يرهقه من الاعمال والافكار فلا يقو على تانيبها او ردها...
اهدته فى عيد ميلاده ساعه ثمينه ،احس بها تشتريه او تغريه حكى لاحد اصدقائه متأففا فرد عليه :
- انت اهبل يا ابنى؟
- لو سمحت اتكلم معايا باسلوب افضل من كده ، ايه السوقيه ديه انت ايه عايزنى ابيع نفسى ؟
- بس بتمن يااستاذ يا محترم
- مش ممكن
- مش احسن ما تبيع نفسك ببلاش
- ياسلام!
- اسمع بس واهدا كده ، بلاش العنجهيه بتاعتك دى
اشعل الصديق سيجاره ،وكأنما سيتلو عليه حكمه الحياه اعتدل فى مقعده وحدق فى عينى اكرم:
- بص ياسيدى ، الدنيا دى مزاد كبير... وانت كده كده نازله غصب عنك ، فيه ناس لها قيمه يفضل سعرها يزيد يزيد ويوصل لفوق للسما ،وناس ما تساويش حتى تمن المناديه عليها ، ومادام المزاد اتفتح ولقيت المشترى المليان خلاص..... على االبركه
هزته كلمات صديقه ، آلمته ....
مقرف...!
جهزت لزفافها ، كل شىء اسطورى بدءا من الورود المنثوره على الموائد وانتهاءا بشهر العسل......... ارادتها ليله لا تنسى ، بدايه
نظرت فى عمرها وحياتها ،لم تندم على مافاتها ، حللت ماضيها اراحتها فكره انها اختزنت كل مشاعرها واحلامها وحتى اموالها لهذه الليله
رتبت لها وكانها تتحدى ما فاتها ، ارادتها حالمه ورديه تنفض فيها عذريه العالم والدنيا من حولها وتنهل من نبع جمالها
اعترضت صديقتها الوحيده....انبتها ....قاطعتها غير نادمه عليها
وماله ....اكرم عندى بالدنيا
فى صالون التجميل ، راتها بيضاء تتوسط مفرقها متحديه ، من؟ لاتدرى!
ارادت اخفائها بين طيات شعرها لكنها كانت جافه متصلبه تأبى الاختلاط بباقى الخصلات نزعتها بيدها.... المتها ورغم انها شعره واحده الا انه خيل اليها انها تركت فراغا.... يراه الجميع
ارتدت طرحتها ، توترت بشده ........حذرها المزين حتى لا تضيع مجهوداته هباء
تأخر ....ظنته لن يأتى ... امتلات عيناها بالدموع ولم تذرف منها واحده، راته ات من بعيد ...ارسلت من يحضره ، تجاهلت اطراقه راسه ...وذبول عينيه
تهلل وجهها ...العريس وحيد لا أهل ولا اصدقاء الا من صديق واحد هنأه....
- مبروك عليك
دخلا القاعه ،خلت من اى شخص الاه....رقصت وتمايلت وغنت طافت بين الموائد ....حالمه كما لم تكن ابدا
حتى الهواء فى جناحهما اسطورى ....كل شىء مبهر
ناما ....وفى الصباح رتبت لرحله خياليه لتنهل من نبع السعاده وتعيش ايامها الضائعه وتعيش حلمها الذى رسمته ........وحدها
فى الصباح ، لم تجده ...انتظرته ...طال انتظارها....اكلها القلق كلمت العاملين بالفندق
- البيه ساب لحضرتك رساله ، وخرج
تسلمت الرساله....فتحتها وهى ترتجف ....ابتسمت بحزن....انهارت باكيه ....ظلت تردد كلمه واحده فى هيستيريا؟
- ليه؟ ليه؟
شعرت بنفسها رخيصه ...هل هى كما اوحى لها فعلا.........؟
امرأه شائخه.... ارادت ان تمتع نفسها لليله واحده ،ودفعت ثمن ذلك الجماع المغلف بالشرعيه .....احتقرت نفسها
انزلت الحقائب عيونها متورمه ....الزينه بالفندق لم تزل بعد
تعود لبيتها ... تذهل الخادمه... تدب بيدها على صدرها وتشهق... شهقه عاليه
مر اسبوع على الزفاف الاسود ، شعور فظيع يعتريها ... بان العالم باسره قد حضر الصفقه العالم كله نهش فى لحمها ....شارك فى فضها ، رأت فى عيون من حولها فضيحه..... الصفقه علنيه
لا تنام وتدخن بجنون... اصبح البيت كالقبر...رائحته مخنوقه من دخان سجائرها ودخان اعصابها...أعطت للخادمه والسائق اجازه، التليفون يرن دون انقطاع ، عقلها دائم الدوران والتحليل
فى تلك الليله اتصلت بخادمتها أخبرتها ان تاتى فى الصباح
نظفت الخادمه المنزل بهمه عاليه وادخلت اليه الهواء الجديد
جهزت لها قهوتها كالعاده ، طرقت الباب بهدوء... ايقظتها وفتحت لها الستائر، جهزت لها الحمام، اغتسلت وارتدت ملابس ورديه فضفاضه وعقصت شعرها للخلف دخلت الشرفه ... رشفت رشفه واحده من فنجانها
اقتربت من السور ...شعرت بالنسمات ...وضعت اصبعها مكان تلك المتحديه وجدتها قصيره تنبت من جديد ...والى جانبها نبت اخر وليد....
ادركت انها اقوى منها... حدقت فى الفراغ بقوه اكبر
تتحسس جسدها....تضمه بذراعيها...ارادت ان تخفيه...تطمئنه ولو استطاعت لمدت يديها لتلمس روحها ...لتعزيها:
- ما تزعليش ...ولا يهمك ....
أنا اقوى